مدونات جيل01

 ما بين مؤيّد ومعارض… هل من حل وسط لقانون حقوق الطفل؟  

 

هدأ الجدل وفَتَر تزاحُم الأصوات. توقفت الهاشتاغات والفيديوهات. وحان الوقت لي كمشارك في برنامج جيل 01 أن أبحث أكثر عن الموضوع، أسأل، وأطرح وجهات النظر، وأبحث عن إجابات، ثم أكتب مدوّنتي التي تقرؤنها اليوم.  

منذ أن عُرض قانون حقوق الطفل على مجلس النواب؛ أثير جدلٌ كبير حوله ليتربّع على عرش الـ “trending topics” على وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات الإعلام التقليدية لفترة جيّدة. وما بين مؤيّد ومعارض؛ خرجت حملات متنوعة؛ منها ما هدف إلى زيادة الوعي وتصحيح المفاهيم، ومنها ما كشف عن المخاوف والتحفظات، ومنها، للأسف، ما عزز النزاع وضلل المعلومات.  

في لقاء مع نادين النمري، المختصة في التدريب على كسب التأييد والاتصالات وصحافة حقوق الإنسان، ومديرة الإعلام في مؤسسة إنقاذ الطفل، والناشطة في مجال كسب التأييد لمشروع قانون حقوق الطفل، تحدثنا مطولًا عن هذا الجدل، المخاوف حول القانون، الفرق الذي قد يحدثه، ولماذا نحن بحاجة إليه.  

 

نقطة البداية… المخاوف! 

أهدف من خلال هذه المدوّنة أن أوضح المفاهيم المُبهمة وأصحّح المغلوطة منها. وربما لن أتمكن من تحقيق ذلك قبل أن أناقش ما يخيفني ويخيف الناس من هذا القانون. 

  • تقول النمري: “في مشروع قانون الطفل، ذُكرت كلمة التشريعات النافذة 11 مرة من أصل 35 مادة. فعلى سبيل المثال، الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية والأسرة ترجع إلى قانون الأحوال الشخصية الساري حاليًا، وبعض الأمور المتعلقة في التعليم ترجع إلى قانون وزارة التربية والتعليم، أما الأمور المتعلقة في حرية الرأي والتعبير تعود إلى التشريعات النافذة من قانون الجرائم الإلكترونية وقانون المطبوعات والنشر. وهذا يشير إلى أهمية العودة للتشريعات النافذة في الدولة الأردنية”. 

إليكم مجموعة من الأمثلة على المخاوف التي تنتاب الكثيرين، والتي وضّحت النمري ردّ القانون عليها:  

  • “ينص القانون على عدم التدخل في حياة الطفل الشخصية، لكن هناك جملة مهمة ولا يمكن إهمالها، وهي: مع مراعاة واجبات وحقوق والديه والتشريعات النافذة ودرجة نضجه. وجميعنا يعرف أن حقوق الوالدين محفوظة بالعُرف، وهو في كثير من الحالات يكون جزءًا من التشريع”.  
  • لن يسمح هذا القانون للطفل بمشاهدة الأفلام الإباحية كما يقول البعض؛ لإنها مجرّمة أصلًا ويُمنع تداولها في الأردن بموجب قانون الجرائم الإلكترونية الساري حاليًا”.  
  • “القانون لم يوجد لسحب الأطفال من أهاليهم كما يقول البعض. بل إن لدينا قوانين أكثر حساسية تخص هذا الموضوع، مثل قانون الحماية من العنف الأسري، هو حساس أكثر ويتكلم عن تفاصيل إبعاد الشخص المسيء في العائلة أو سحب الأطفال المتعرضين للإساءة”.   
  • “مسألة عمالة الأطفال موجودة في قانون العمل الحالي”. 
  • “مسألة تغيير الدين والجنس موجودة في قانون الأحوال الشخصية والمدنية الحالي”. 

 

هذه كانت بعض الأمثلة التي ذكرتها النمري، وهي بحسب مشاهداتي وبحثي، تعد من أكثر المخاوف تداولًا بين الناس على وسائل التواصل الاجتماعي. وباعتقادي الشخصي، إن عودة قانون الطفل للتشريعات النافذة، التي لم يسبق وأن أثير الجدل حولها، هي منفذ إيجابي يجعلنا إلى حد ما مطمئنين.  

 

عودة إلى الأساس… لماذا نحتاج لقانون حقوق الطفل؟  

في مجتمع تشكّل نسبة الأطفال فيه أكثر من 40% 1، يجب أن تكون حقوق الطفل محفوظة ومحكومة بقوانين محددة وواضحة تُطبّق على الجميع. فما هي الفجوات التي سيسدها هذا القانون؟ 

تقول النمري “بداية دعنا نتفق أن القانون ليس بالحل السحري. لن يكون من السهل الانتقال مما نحن عليه اليوم إلى مرحلة متقدمة في مجال حقوق وحماية الطفل إلا بعد فترة طويلة من الحملات والتوعية وكسب التأييد لتطبيق القانون على أرض الواقع. في الأردن، أصدرنا قانونًا لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهي خطوة إيجابية للغاية. لكن هل من السهل تطبيق بنوده، خاصة فيما يتعلق بالتعليم الدامج وتوفير البيئة المحتضنة في المدارس وتوفير فرص العمل لهذه الشريحة؟ الجواب، لا. لكن هناك تقدم تدريجي منذ إقرار القانون وحتى يومنا هذا. وهذا ينطبق على قانون حقوق الطفل. وجود تشريعات تضمن الحقوق هو الخطوة الأولى، ثم بالتدريج يأتي الضغط والمراقبة والمحاسبة”.    

ويمكنني أن ألخص ما قالته النمري بثلاثة جوانب رئيسية سيكون للقانون دور جوهري فيها:  

  • أولًا، الرعاية الصحية:  

“اليوم، التأمين الصحي الحكومي متاح فقط للأطفال تحت سن 6 سنوات. مع وجود القانون، سنضمن توفير الرعاية الصحية للأطفال من 7 إلى 18 عامًا. كذلك، التأمين الصحي الموجود حاليًا متاح فقط للأطفال من حَمَلة الجنسية الأردني. لدينا لاجئين ووافدين وأبناء أردنيات، من حقهم أن يُمنحوا فرص متساوية للعلاج كبقيّة الأطفال”.    

  • ثانيًا، التعليم: 

تشير النمري إلى أن ارتفاع نسبة التسرب من المدارس في الأردن، خاصة بعد جائحة كورونا يجب أن يُعالج من خلال هذا القانون وغيره من التشريعات النافذة. وقد صدر مؤخرًا تقرير في إحدى القنوات الإعلامية المحلية، أشار إلى أن نسبة التسرب في مدارسنا “مرعبة” على حد تعبير أحد المختصين التربويين. إذ يوجد لدينا قرابة 7,000 طالب وطالبة متسربين من المدارس سنويًا في مرحلة التعليم الأساسي 2، ما يعني أننا بحاجة لإيجاد حلول مُلحة.  

وبحسب مسودة قانون حقوق الطفل، سيتم إلزام ولي أمر الطفل أو الشخص الموكل برعايته بإلحاقه بالتعليم الإلزامي، كما سيتم اتخاذ تدابير منع تسرب الطفل أو انقطاعه عن التعليم 3.  

  • ثالثًا، الحماية:  

تشير النمري، إلى أننا نعيش في زمن صعب ومعقد قد يتعرض فيه الأطفال لكثير من الضغوطات والمشاكل؛ وأهمها إدمان المخدرات، خاصة مع وجود المخدرات الاصطناعية الرخيصة التي يسهل على الأطفال الوصول إليها. كذلك أشارت النمري إلى تزايد حالات الانتحار بين اليافعين والشباب؛ ما يعني أننا بحاجة إلى قانون يعزز وجود مراكز للتأهيل والدعم النفسي لمن هم دون الـ 18 عامًا.  

وهنا، سأشير لتقرير في صحيفة الغد ورد فيه أن الأردن سجل العام الماضي 167 حالة انتحار، ومن بين المنتحرين 23 حدثًا تراوحت أعمارهم بين 12-17 عامًا 4.  

“مع كل هذه الحقائق، لسنا بحاجة فقط لقانون يحمي الأطفال، بل نحن بحاجة لضمانات لتنفيذه”، تقول النمري.  

 

ما الرابط بين الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل وهذا القانون؟  

يرى البعض أن قانون حقوق الطفل ليس بالخطوة الهامة، خاصة وأن الأردن قد صادق على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل عام 2006، مع تحفظه على بعض البنود؛ كبند التبني وبند حق الاعتقاد والإيمان. فما هي وجهة نظر نادين النمري؟ 

“في عام 2008 سحب الأردن قانون حقوق الطفل، على اعتبار أن مصادقته على هذه الاتفاقية كانت كافية. وتبيّن لاحقًا أنه لا يوجد تطبيق لبنود الاتفاقية أو التزام بها، وأن وجود قانون سيضمن ذلك بشكل أكبر. هناك قوانين مختلفة صدرت في الأردن رغم مصادقتنا على اتفاقيات دولية. يوجد في قانون العمل بنود تخص منع الاتجار بالبشر والعمل القسري؛ وهي منصوص عليها في اتفاقيات منظمة العمل الدولية المُصادق عليها من قبل الأردن. كذلك، قانون الأشخاص ذوي الإعاقة موجود رغم أننا صادقنا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. هل يمكن أن نقول إننا لا نريد بنودًا معينة فقط لإننا مصادقين عليها في اتفاقيات دولية؟  

هناك 13 دولة عربية سبقت الأردن في إقرار قانون للطفل؛ منها تونس والجزائر وقطر والإمارات والسعودية، ومما يثير استغرابي، إذ إن بعض الدول التي يوجد فيها معارضين لقانون حقوق الطفل الأردني لديهم قانون لحقوق الطفل في بلدهم، وربما قوانينهم أكثر تقدمًا من قانون حقوق الطفل الأردني. كما أن بعض هذه الدول قد صادقت على الاتفاقية الدولية مع بعض التحفظات، حالها حال الأردن”.  

وعن المرحلة المقبلة، أشارت النمري إلى هناك أنظمة وتعليمات ستلحق القانون عند الموافقة عليه، ما سيساهم في تجويده بشكل أكبر.  

 

حماية الطفل أمر لا يختلف عليه اثنان  

بنقطة في غاية الأهمية، قالت نادين النمري: “أنا لا أرى أن قانون الطفل هو الأكثر حساسية من بين القوانين الموجودة حاليًا، ولا أعرف لما أثير كل هذا الجدل حوله. ربما على الحكومة أن تضع مجهودًا أكبر لتوضيح القانون أمام الجمهور؛ من خلال الندوات وورش العمل، والحوارات الوجاهية، التي من وجهة نظري أكثر فاعلية من التواصل الاجتماعي”.  

وشخصيًا، أرى أننا كأفراد مسؤولين عن زيادة وعينا عن الموضوع. ربما يكون القانون هو الخطوة الأولى لمنح أطفالنا حياة أفضل، وربما لا يزال يحتاج لبعض التجويد والتعديل. لكن الأهم ألا نتداول معلومات مغلوطة عنه؛ أن نسأل المختصين، وأن نبحث عمّا ينقصنا من معرفة، ثم نطالب بتعديل ما نجده غير ملائم مع العُرف السائد.  

وأخيرًا، سواءً كنتم من المؤيدين للقانون أم المعارضين له، لا بدّ أننا نتفق جميعًا على أن حماية الطفل حق. وعلينا كبالغين وراشدين الالتزام بهذا الحق دون تقصير، عدم الصمت عن أي حالة فيها خرق له، وتوعية أنفسنا بشكل مستمر حوله.  

 

  

هذه المدوّنة تعكس رأي الشاب عيسى الحلاق بعد لقاء أجراه مع نادين النمري، إحدى أبر الناشطات في مجال كسب التأييد لقانون حقوق الطفل، كجزء من برنامج جيل 01  المنفذ من قبل هيئة أجيال السلام، بدعم من السفارة الأمريكية في الأردن. 

تم تمويل هذه المدوّنة بمنحة من وزارة الخارجية الأمريكية. الآراء والنتائج والاستنتاجات الواردة هنا هي آراء المؤلف/ة ولا تعكس بالضرورة آراء ونتائج واستنتاجات وزارة الخارجية الأمريكية. 

 

عيسى الحلاق في لقاء مع نادين النمري مدربة كسب التأييد والاتصالات وصحافة حقوق الإنسان، ومديرة الإعلام في مؤسسة إنقاذ الطفل